الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

125

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والمراد أنه مقدم سابق لإبانه لينتفع به عند الحاجة إليه ، ومنه اشتق السلف للقرض ، والإسلاف للإقراض ، والسّلفة للسّلم . و الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ : الماضية البعيدة مشتق من الخلو وهو الشغور والبعد . [ 25 - 29 ] [ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 25 إلى 29 ] وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ( 25 ) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ ( 26 ) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ ( 27 ) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ ( 28 ) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ( 29 ) هذا قسيم مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [ الحاقة : 19 ] ، فالقول في إيتائه كتابه بشماله قد عرف وجهه ممّا تقدم . وتمنّي كل من أوتي كتابه بشماله أنه لم يؤت كتابه ، لأنه علم من الاطلاع على كتابه أنه صائر إلى العذاب فيتمنى أن لا يكون علم بذلك إبقاء على نفسه من حزنها زمنا فإن ترقّب السوء عذاب . وجملة وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ في موضع الحال من ضمير لَيْتَنِي . والمعنى : إنه كان مكذبا بالحساب وهو مقابل قول الذي أوتي كتابه بيمينه : إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ [ الحاقة : 20 ] . وجملة الحال معترضة بين جملتي التمني . ويجوز أن يكون عطفا على التمني ، أي يا ليتني لم أدر ما حسابيه ، أي لم أعرف كنه حسابي ، أي نتيجته ، وهذا وإن كان في معنى التمني الذي قبله فإعادته تكرير لأجل التحسر والتحزن . و ما استفهامية ، والاستفهام بها هو الذي علّق فعل أَدْرِ عن العمل ، و يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ تمنّ آخر ولم يعطف على التمنّي الأول لأن المقصود التحسر والتندم . وضمير لَيْتَها عائد إلى معلوم من السياق ، أي ليت حالتي ، أو ليت مصيبتي كانت القاضية . و الْقاضِيَةَ : الموت وهو معنى قوله تعالى : وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً [ النبأ : 40 ] ، أي مقبورا في التراب . وجملة يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ من الكلام الصالح لأن يكون مثلا لإيجازه ووفرة